مباشر
أين يمكنك متابعتنا

أقسام مهمة

Stories

22 خبر
  • رياضة
  • العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا
  • اليمن الآن
  • رياضة

    رياضة

  • العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا

    العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا

  • اليمن الآن

    اليمن الآن

  • فيديوهات

    فيديوهات

مفارقات عملية اغتيال كبرى!

يُعد اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، الذي وقع في الرابع عشر من سبتمبر عام 1982، إحدى المناسبات التي أثبتت فيها الأحداث أن الواقع قد يكون أغرب من الخيال.

مفارقات عملية اغتيال كبرى!
AP

رافقت تلك العملية الدموية مفارقات كثيرة، وزُجّ إثرها بلبنان في سلسلة من الأزمات المتلاحقة، وتلتها مجزرة صبرا وشاتيلا المهولة والوحشية، كما تزايد التدخل الدولي في الحرب الأهلية اللبنانية.

يمكن وصف بشير الجميل بأنه رجل جمع بين الأضداد، إذ تباينت المواقف منه تباينا حادا. ففيما عدّه فريق "الرجل المنقذ" الذي يملك رؤية واضحة لإصلاح الدولة وتوحيد لبنان، رأى فريق آخر أنه "ميليشياوي متعطش للدماء" وتابع لإسرائيل. تفاقمت هذه المفارقة بعد انتخابه، على الرغم من أنه بدأ فورا في إرسال إشارات طمأنة إلى جميع المكونات اللبنانية، مشددا على "مصالحة وطنية حقيقية"، ورافضا فكرة تجزئة لبنان، مع أنه كان في الوقت نفسه متحالفا مع إسرائيل التي كانت قد غزت لبنان ونشرت فيه الخراب للتو.

اغتُيل بشير الجميل بعد أيام قليلة من انتخابه، وقبل أن يتسلم مهامه بشكل رسمي، وبعد أقل من أسبوعين على لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي أرييل شارون، لمناقشة تفاصيل تتعلق بمعاهدة سلام ومستقبل لبنان.

جرى الاغتيال في مقر حزب الكتائب ذاته، في منطقة الأشرفية التي كانت تُعد معقلا منيعا له ولحلفائه. تثير هذه المفارقة تساؤلات كبيرة حول مدى الاختراق الأمني الذي تعرض له أقوى رجالات لبنان في تلك الفترة، وكيف تمكن منفذ واحد، هو حبيب الشرتوني، من زرع عبوة ناسفة في قلب هذا المقر الحصين.

توصف شخصية منفذ عملية الاغتيال، الذي أصبح بطلا ورمزا للتضحية لدى البعض، بأنها لا تزال غامضة على الرغم من مرور وقت طويل من الزمن. حبيب الشرتوني، منفذ عملية اغتيال بشير الجميل وعضو الحزب السوري القومي الاجتماعي، شخصية مثيرة للجدل، وفيما ينظر إليه أنصاره على أنه بطل قاوم "المشروع الإسرائيلي" في لبنان، يعتبره خصومه مجرد أداة في يد النظام السوري حينها. بالمقابل، أصبح بشير الجميل، الذي كان شخصية مثيرة للانقسام، رمزا جامعا لتيار سياسي بأكمله.

من المفارقات العديدة أن الشرتوني كان هو وعائلته يقيمون في شقة بالطابق العلوي من مقر حزب الكتائب، وهو المبنى ذاته الذي قام بتدميره. يُتردد أن عمه كان يعمل حارسا شخصيا لبشير، وأنه زرع القنبلة ليلا، مباشرة فوق قاعة المؤتمرات التي كان من المقرر أن يلقي فيها الجميل كلمة في اليوم التالي.

فعّل الشرتوني جهاز التفجير من سيارته، لكنه تذكر فجأة أن شقيقته لا تزال داخل المبنى الذي يوشك أن ينفجر بمن فيه. فاتصل بها وطلب منها مغادرة المبنى على الفور، فسارعت بالخروج وهي تصرخ بأن أمرا مروعا على وشك الحدوث، وبعد ثوان معدودة انفجر المبنى. يعتقد أن هذا المشهد تحديدا هو ما مكّن السلطات من تحديد هوية الجاني على الفور. هكذا تحول دافع إنساني عائلي، كان من المفترض أن يظل سرا، إلى أثر قاد إلى الفاعل.

كان دافع الشرتوني المعلن هو "صداقة" بشير الجميل مع إسرائيل، وقد وصفه بـ"الخائن". ويقول البعض إن بشير الجميل كان، بحلول وقت الاغتيال، قد بدأ بالفعل في الابتعاد بنفسه عن حلفائه الإسرائيليين، مشيرين إلى أنه خلال اجتماع مع رئيس الوزراء مناحيم بيغن في نهاريا في الأول من سبتمبر عام 1982، رفض توقيع معاهدة سلام وفق الشروط الإسرائيلية، وأصر على انسحاب جميع القوات الأجنبية، وكان يقصد، الفلسطينية والسورية والإسرائيلية. كما أنه فور عودته قطع علاقاته مع الإسرائيليين ومنع مساعديه من الاجتماع بهم.

اتسم التقرير الأول الصادر عن التلفزيون اللبناني بالتفاؤل، وأفيد وقتها بأن بشير لا يزال على قيد الحياة وجرى حث الجمهور على التزام الهدوء. أما الجثة التي انتُشلت من تحت الأنقاض فكانت مشوهة لدرجة يستحيل معها التعرف على صاحبها. لم تحدد الهوية إلا في صباح اليوم التالي، بفضل خاتم في إصبعه ورسالة من شقيقته الراهبة عُثر عليها في جيبه.

توجهت أصابع الاتهام على الفور نحو الفلسطينيين، وحمّلهم البعض، دون أي جريرة، مسؤولية الاغتيال، وبتأثير ذلك اقتحم مقاتلو الكتائب مخيمي صبرا وشاتيلا، ونفذوا مجزرة أودت بحياة أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين.

بعد مقتل بشير الجميل تولى شقيقه الأكبر أمين منصب الرئاسة. أُلقي القبض على الشرتوني، وقضى ثماني سنوات في السجن، إلا أنه لم يمثل أمام المحكمة بتاتا. في عام 1990، حين اقتحم الجيش السوري القصر الرئاسي، أُخرج الشرتوني من السجن سرا، وعاش بعدها في سوريا لسنوات، ولا يزال مصيره حتى الآن مجهولا.

في عام 2017، بعد خمسة وثلاثين عاما من وقوع الجريمة، أصدرت المحكمة اللبنانية حكما بالإعدام غيابيا بحق حبيب الشرتوني وقيادي في الحزب السوري القومي الاجتماعي يدعى نبيل العلم، يُعتقد أنه توفي في أمريكا اللاتينية.

هكذا عطّل الاقتتال الطائفي والفوضى العارمة والمصالح الآنية والتدخلات الأجنبية الفظة العدالة في لبنان خلال تلك الحقبة المأساوية، ما جعل ملفات العديد من القضايا تتراكم في أرشيف مظلم. لا يزال هذا الإرث الثقيل يلقي بظلاله على الذاكرة اللبنانية حتى اليوم.

المصدر: RT

التعليقات